ابن أبي أصيبعة

37

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

التي سبقتهم . . فاستفاد العرب منها أكبر فائدة حتى نبغوا بل تفوقوا على غيرهم بعد أن أضافوا إلى تلك العلوم مبتكرات جديدة » « 1 » . وكان بيت الحكمة « حجر أساس لمدرسة بغداد التي ظل تأثيرها حتى النصف الثاني من القرن الخامس عشر ، ويرجع الفضل إلى هذه المدرسة الزاهرة في الحفاظ على استمرارية الحضارة ، وإصلاح سلسلة المعارف الإنسانية التي حطمها بقسوة في القرن السادس الميلادي اضمحلال روما وسقوطها . ولو اقتصرت حضارة الإسلام على مجرد انقاذ الحضارة القديمة والحفاظ عليها بعناية ثم نقلها للأجيال التالية ، لكانت هذه خدمة تجل عن الوصف . ولكن لم يكن الأمر كذلك ، فإن علماء وفلاسفة مدرسة بغداد ، ورثة روح وتعاليم مدرسة الإسكندرية ، أضافوا وآثروا الحضارة القديمة بإضافات مبتكرة في كل فروع العلم ، باكتشافات لا حصر لها في الفنون التطبيقية وفوق كل ذلك باكتشاف طرق جديدة للبحث والاستكشاف « 2 » . ويقال أن « الرشيد » والد المأمون أنشأ دار الحكمة وبعث عماله إلى الإمبراطورية الرومانية وعين عالما مسيحيا كبيرا مسؤولا عن الترجمة وهو « ماسويه » والد « يوحنا بن ماسويه » وكان يوحنا يجيد اليونانية وهو أستاذ حنين بن إسحاق أشهر المترجمين في العصر العباسي وأكثرهم إنتاجا وتأليفا في مجال الطب ، وعين المأمون يوحنا بن ماسويه أمينا على الترجمة - ببيت الحكمة ، وكان المأمون معجبا للغاية بحنين بن إسحاق ومقدرا لعلمه وفضله فاختاره لتقليد رياسة بيت الحكمة ، وجعل بين يديه كتابا نحارير ينقلون ذخائر العلم اليوناني » « 3 » . وأيضا كان يعمل بدار الحكمة « ابن نوبخت » الذي كان يترجم من الفارسية إلى العربية . ومن ذلك نلاحظ أن معظم من كان يعمل بدار الحكمة من النصارى والفرس والسوريان . وذلك مما يؤكد مدى التسامح في الدولة الإسلامية الكبرى « فلم تعرف هذه المؤسسة صور التعصب لجنس معين أو دين معين ، وإنما كان شعار كل هؤلاء الحرية الفكرية التامة ، والسبب في هذا الجو العقلي الذي وفره المأمون لعلمائه ، فانقطع كل هؤلاء الرهط من العلماء

--> ( 1 ) ميخائيل جميعان : المؤثرات الثقافية الشرقية على الحضارة الغربية من خلال الحروب الصليبية ، عمان - الأردن المطبعة الاقتصادية 1983 م ، ص 5 . ( 2 ) حيدر بامات : إسهام المسلمين في الحضارة ترجمة وتقديم د . ماهر عبد القادر محمد على ، نشر المركز المصري للدراسات والأبحاث سابا باشا الإسكندرية 1986 م ، ص 39 . ( 3 ) ماهر عبد القادر : حنين بن إسحاق ، والعصر الذهبي للترجمة ، طبعة دار المعرفة الجامعية بالإسكندرية 1988 م ، ص 48 .